الصفحة الرئيسـة | جامع القراءات | المصحف العثماني | المصحف المحفظ  | فتاوى القرآن الكريم                       جديد الموقع بتقنية rss خارطة الموقع اتصل بنا
 




   


 فتاوى القرآن الكريم  تفسير القرآن الكريم  تفسير سورة هود  
تفسير قوله تعالى فلما رأى أيديهم لا تصل اليه 


التفسير الكبير ، الصفحة : 22  ت

ثم قال تعالى : ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ) أي إلى العجل ، وقال الفراء : إلى الطعام ، وهو ذلك العجل ( نكرهم ) أي أنكرهم .
يقال : نكره وأنكره واستنكره .
واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام ؛ لأنهم ملائكة ، والملائكة لا يأكلون ولا يشربون ، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها ، وهو كان مشغوفا بالضيافة ، وأما إبراهيم - عليه السلام - ، فنقول : إما أن يقال : إنه - عليه السلام - ما كان يعلم أنهم ملائكة ، بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر ، أو يقال : إنه كان عالما بأنهم من الملائكة ، أما على الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران : أحدهما : أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس ، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروها ، وثانيهما : أن من لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام ، فإن أكل حصل الأمن ، وإن لم يأكل حصل الخوف ، وأما الاحتمال الثاني : وهو أنه عرف أنهم ملائكة الله تعالى ، فسبب خوفه على هذا التقدير أيضا أمران : أحدها : أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه .
والثاني : أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه .
فإن قيل : فأي هذين الاحتمالين أقرب وأظهر ؟ قلنا : أما الذي يقول : إنه ما عرف أنهم ملائكة الله تعالى فله أن يحتج بأمور : أحدها : أنه تسارع إلى إحضار الطعام ، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك .
وثانيها : أنه لما رآهم ممتنعين من الأكل خافهم ، ولو عرف كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول الشر .
وثالثها : أنه رآهم في أول الأمر في صورة البشر ، وذلك لا يدل على كونهم من الملائكة ، وأما الذي يقول : إنه عرف ذلك احتج بقوله : ( لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف بأي سبب أرسلوا ، ثم بين تعالى أن الملائكة أزالوا ذلك الخوف عنه ، فقالوا : ( لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) ومعناه : أرسلنا بالعذاب إلى قوم لوط ؛ لأنه أضمر لقيام الدليل عليه في سورة أخرى ، وهو قوله : ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) [الحجر : 58 ] ( لنرسل عليهم حجارة ) [الذاريات : 33 ] .
ثم قال تعالى : ( وامرأته قائمة ) يعني سارة بنت آزر بن باحورا ، بنت عم إبراهيم - عليه السلام - ، وقوله : ( قائمة ) قيل : كانت قائمة من وراء الستر تستمع إلى الرسل ؛ لأنها ربما خافت أيضا ، وقيل : كانت قائمة تخدم الأضياف وإبراهيم - عليه السلام - جالس معهم ، ويؤكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود "وامرأته قائمة وهو قاعد" .
ثم قال تعالى : ( فضحكت فبشرناها بإسحاق ) واختلفوا في الضحك على قولين : منهم من حمله على نفس الضحك ، ومنهم من حمل هذا اللفظ على معنى آخر سوى الضحك .
أما الذين حملوه على نفس الضحك فاختلفوا في أنها لم ضحكت ، وذكروا وجوها : الأول : قال القاضي : إن ذلك السبب لا بد وأن يكون سببا جرى ذكره في هذه الآية ، وما ذاك إلا أنها فرحت بزوال ذلك الخوف عن إبراهيم - عليه السلام - ، حيث قالت الملائكة : ( لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) وعظم سرورها بسبب سروره بزوال خوفه ، وفي مثل هذه الحالة قد يضحك الإنسان ، وبالجملة فقد كان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم - عليه السلام - ( لا تخف ) فكان كالبشارة ، فقيل لها : نجعل هذه البشارة بشارتين ، فكما حصلت البشارة بزوال الخوف ، فقد حصلت البشارة أيضا بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أول العمر إلى هذا الوقت ، وهذا تأويل في غاية الحسن .
الثاني : يحتمل أنها كانت عظيمة الإنكار على قوم لوط ؛ لما كانوا عليه من الكفر والعمل الخبيث ، فلما أظهروا أنهم جاءوا لإهلاكهم ، لحقها السرور فضحكت .
الثالث : قال السدي : قال إبراهيم - عليه السلام - لهم : ( ألا تأكلون ؟ قالوا : لا نأكل طعاما إلا بالثمن ، فقال : ثمنه أن تذكروا اسم الله تعالى على أوله وتحمدوه على آخره ، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام : "حق لمثل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلا" فضحكت امرأته فرحا منها بهذا الكلام .
الرابع : أن سارة قالت لإبراهيم - عليه السلام - : أرسل إلى ابن أخيك وضمه إلى نفسك ؛ فإن الله تعالى لا يترك قومه حتى يعذبهم ، فعند تمام هذا الكلام دخل الملائكة على إبراهيم - عليه السلام - ، فلما أخبروه بأنهم إنما جاءوا لإهلاك قوم لوط ، صار قولهم موافقا لقولها ، فضحكت لشدة سرورها بحصول الموافقة بين كلامها وبين كلام الملائكة .
الخامس : أن الملائكة لما أخبروا إبراهيم - عليه السلام - أنهم من الملائكة لا من البشر ، وأنهم إنما جاءوا لإهلاك قوم لوط ، طلب إبراهيم - عليه السلام - منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة ، فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي ، فطفر ذلك العجل المشوي من الموضع الذي كان موضوعا فيه إلى مرعاه ، وكانت امرأة إبراهيم - عليه السلام - قائمة ، فضحكت لما رأت ذلك العجل المشوي قد طفر من موضعه .
السادس : أنها ضحكت تعجبا من أن قوما أتاهم العذاب وهم في غفلة .
السابع : لا يبعد أن يقال : إنهم بشروها بحصول مطلق الولد فضحكت ، إما على سبيل التعجب ، فإنه يقال : إنها كانت في ذلك الوقت بنت بضع وتسعين سنة ، وإبراهيم - عليه السلام - ابن مائة سنة ، وإما على سبيل السرور ، ثم لما ضحكت بشرها الله تعالى بأن ذلك الولد هو إسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب .
الثامن : أنها ضحكت بسبب أنها تعجبت من خوف إبراهيم - عليه السلام - من ثلاث أنفس حال ما كان معه حشمه وخدمه .
التاسع : أن هذا على التقديم والتأخير ، والتقدير : وامرأته قائمة ، فبشرناها بإسحاق ، فضحكت سرورا بسبب تلك البشارة ، فقدم الضحك ، ومعناه التأخير .
العاشر : هو أن يكون معنى ( فضحكت ) : حاضت ، وهو منقول عن مجاهد وعكرمة ، قالا : ( فضحكت ) أي حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف ، فلما ظهر حيضها بشرت بحصول الولد ، وأنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت ، قال أبو بكر الأنباري : هذه اللغة إن لم يعرفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم ، حكى الليث في هذه الآية ( فضحكت ) طمثت ، وحكى الأزهري عن بعضهم أن أصله من ضحاك الطلعة ، يقال : ضحكت الطلعة - إذا انشقت .
واعلم أن هذه الوجوه كلها زوائد .
وإنما الوجه الصحيح هو الأول .
ثم قال تعالى : ( ومن وراء إسحاق يعقوب ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر ، وحمزة ، وحفص ، عن عاصم : "يعقوب" بالنصب ، والباقون بالرفع ، أما وجه النصب ، فهو أن يكون التقدير : بشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب ، وأما وجه الرفع فهو أن يكون التقدير : ومن وراء إسحاق يعقوب مولود ، أو موجود .
المسألة الثانية : في لفظ وراء قولان : الأول - وهو قول الأكثرين - : أن معناه بعد ، أي بعد إسحاق يعقوب وهذا هو الوجه الظاهر .
والثاني : أن الوراء ولد الولد ، عن الشعبي أنه قيل له : هذا ابنك ، فقال : نعم من الوراء - وكان ولد ولده - وهذا الوجه عندي شديد التعسف ، واللفظ كأنه ينبو عنه .

طباعة   إرسال لصديق

قراءة  9878



جميع الحقوق محفوظة لموقع ن للقرآن وعلومه ( 2005 -2018)